كوركيس عواد

109

خزائن الكتب القديمة في العراق منذ أقدم العصور حتى سنة 1000 للهجرة

وأشار ابن النديم في عرض كلامه على إنشاء خزانة الحكمة والعمل على توسيعها « ان المأمون كان بينه وبين ملك الروم مراسلات ، وقد استظهر عليه المأمون ، فكتب إلى ملك الروم يسأله الاذن في إنفاذ ما يختار من العلوم القديمة المخزونة المدّخرة ببلد الروم . فأجاب إلى ذلك بعد امتناع . فأخرج المأمون لذلك جماعة ، منهم الحجاج بن مطر ، وابن البطريق ، وسلما « 1 » صاحب بيت الحكمة ، وغيرهم . فأخذوا مما وجدوا ما اختاروا . فلما حملوه اليه ، أمرهم بنقله ، فنقل وقد قيل إن يوحنا بن ماسويه ممن نفذ إلى بلد الروم . وأحضر المأمون أيضا حنين بن إسحاق ، وكان فتي السن ، وأمره بنقل ما يقدر عليه من كتب الحكماء اليونانيين إلى العربي واصلاح ما ينقله غيره فامتثل أمره » « 2 » . فإذا أخذنا بصحة هذين النصين ، جاز لنا القول إن الكتب التي اختارتها بعثة المأمون - على ما ورد في نص ابن النديم - هي غير احمال الكتب التي ذكرها القفطي . فكأن استيراد كتب الإغريق وايداعها خزانة الحكمة ببغداد ، من أظهر مقاصد المأمون وأقصى رغائبه . لقد أقبل المترجمون في ذلك العصر على هذه الكنوز اليونانية الرائعة ، فنهلوا من ينبوعها ونقلوا منها إلى لغة الضاد فنونا شتى : في الفلسفة والطب والموسيقى والرياضيات والطبيعيات وغير ذلك . فأغنوا بمنقولاتهم الرائعة الثقافة العربية أيما اغناء ، ووسعوا محتويات خزانة الحكمة توسيعا منقطع النظير ، فصار فيها من الكتب ما تفردت به وفاقت به على ما سواها .

--> ( 1 ) قال ابن عبد ربه في العقد الفريد ( 2 : 127 طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة ) : « ودخل جعفر بن يحيى في زي العامة وكتاب النباهة ، على سليمان صاحب بيت الحكمة ، ومعه ثمامة بن أشرس . . . » . فلعل « سليمان » مصحف من « سلم » . أو لعله شخص آخر . ( 2 ) الفهرست ( ص 243 فلوجل - 339 مصر ) . وراجع : عيون الأنباء ( 1 : 187 ) .